حين توليتُ قيادة مشروع خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية في عام 2021، كانت عُمان تزخر بحياةٍ إبداعية حية، غير أنها كانت تفتقر إلى بياناتٍ موثوقة تصف هذه الحياة وتقيس أثرها. كنا نعرف أن فنانينا ومصممينا وناشرينا وصُنّاع أفلامنا وحرفيينا فاعلون ومسهمون، لكنّ القطاع ظلّ في معظمه خارج دائرة الأدلة والسياسات. كان هذا أول مبادرة وطنية لمسح الصناعات الثقافية والإبداعية في السلطنة وتحليلها، وكان هدفها بسيطًا في ظاهره عميقًا في أثره: أن نجعل قطاعًا مرئيًّا أمام نفسه وأمام من يُناط بهم التخطيط له.
لم يكن التحدي شُحّ الإبداع، بل شُحّ المعرفة به. فمن دون تعريفٍ مشترك لما يُعدّ صناعةً إبداعية، ومن دون جردٍ لمجالاتها الفرعية وفاعليها، ومن دون قراءةٍ صادقة للعقبات التي تواجههم، يظلّ كل حديثٍ عن اقتصادٍ إبداعي قائمًا على الافتراض لا على الفهم. لذلك بدأنا عملنا بإرساء الأسس: مفرداتٌ جامعة، وإطارٌ منهجي، وخطُّ أساسٍ يتّسم بالأمانة.
الأهداف
- تطوير وتعزيز مهارات القيادة والابتكار لدى القيادات في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية بما يتماشى مع مستهدفات رؤية عُمان 2040.
- تطوير دور القيادات في التفكير الاستراتيجي ومهارات الحوكمة الفعالة في القطاع الثقافي والإبداعي.
- تعزيز أفضل السياسات والممارسات والتشريعات والملكية الفكرية في الصناعات الثقافية والإبداعية والمفاهيم المرتبطة بالصناعات الثقافية والإبداعية.
- تحفيز الابتكار وتعزيز ريادة الأعمال الثقافية والإبداعية.
- تحسين منظومة التعليم وبناء القدرات البشرية في الصناعات الثقافية والإبداعية.
- تمكين المشاركين من تصميم نماذج تحويل مستدامة وتوفير بيئة مناسبة للاستثمار في القطاع.
- تقديم برنامج تعلم تنفيذي يتناسب مع القيادات العليا في قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية.
- استعراض التجارب والممارسات العالمية في مجال الصناعات الثقافية والإبداعية.
المنهجية والأثر
اعتمدنا منهجًا يجمع بين الصرامة العلمية والتجذّر في الواقع المحلي. فبدلًا من استيراد تصنيفٍ أجنبي جاهز، انطلقنا من الأطر الدولية مع تكييفها وفق الخصوصية العُمانية، مُصغين عن قربٍ إلى الممارسين عبر المشاورات والعمل الميداني والحوار المباشر. كان المقصد أن تكون الخارطة شيئًا يتعرّف فيه أهل الإبداع على أنفسهم، لا تجريدًا مفروضًا من الخارج.
القطاع الذي لا يُرى لا يُمكن دعمه؛ وأول فعلٍ في أي سياسةٍ للاقتصاد الإبداعي هو أن نجعل الحقل قابلًا للقراءة.
تمثّل الإسهام الباقي للمشروع في أنه منح النقاش أرضيةً مشتركة. فبتسمية المجالات الفرعية، وتحديد مواقع الفاعلين، وتوثيق الفجوات، قدّم لصنّاع القرار والمؤسسات منطلقًا قائمًا على الدليل لا على الانطباع. وعلى نحوٍ أهدأ، قال لمجتمعٍ من الممارسين إن عملهم معترَفٌ به بوصفه جزءًا من الاقتصاد الوطني؛ وهذا الاعتراف، في تجربتي، هو المكان الذي يبدأ منه الدعم الجادّ.
