المدونة الاقتصاد الإبداعي

كيف تعيد عُمان صياغة اقتصادها عبر الصناعات الإبداعية

الصناعات الإبداعية… مصطلحٌ عابرٌ للقارات: من السياسات الغربية إلى السياسات الخليجية

تُعدّ الصناعات الإبداعية اليوم إحدى الركائز الأساسية للاقتصادات الحديثة، إذ باتت تحظى باهتمام متزايد من صُنّاع السياسات بوصفها مصدرًا للنمو المستدام والابتكار والهوية الثقافية. ورغم أن مصطلح “الصناعات الإبداعية” يبدو حديث التداول، إلا أن جذوره تمتد إلى عقود مضت، حيث شهدت بداياته تباينًا فى التأريخ والتأويل.

فبحسب ما ورد فى الأدبيات الأكاديمية، فإن أستراليا تُعدّ أول من استخدم المصطلح رسميًا، وتحديدًا فى 30 أكتوبر 1994، عندما أطلق رئيس الوزراء الأسترالى بول كيتنغ (Paul Keating) سياسة “الأمة الإبداعية”. غير أن الأكاديمي الأسترالى جون هارتلى (John Hartley) يقدم تأريخًا مغايرًا فى كتابه “Advances introduction to Creative Industries” الصادر عام 2021، إذ يعود به إلى مقال نُشر فى صحيفة The Monitor  بتاريخ 29 مارس 1828، باعتباره أول استخدام موثق للمصطلح فى السياق الأسترالى. وبغض النظر عن الأسبقية التاريخية، فإن المصطلح لم يكتسب زخمه السياسى والمؤسسى إلا مع حكومة حزب العمال فى المملكة المتحدة بقيادة تونى بلير وجوردن براون عام 1997، حيث أطلقت “الخريطة الأولى للصناعات الإبداعية”، مُعرّفةً هذا الصناعات بأنها : “الأنشطة التى تستند إلى الإبداع والمهارات والموهبة الفردية، والتى تملك القدرة على توليد الثروة وخلق فرص العمل من خلال استغلال الملكية الفكرية”.

ورغم ما أثاره هذا التعريف من انتقادات بين الباحثين المعنيين بالسياسات الثقافية، إلا أنه سرعان ما تحول إلى مرجعية مؤثرة عالميًا، وذلك بفضل دوره الوظيفى فى رسم ملامح السياسات الثقافية، وتبنّيه من قبل منظمات دولية وخبراء سياسات ومراكز أبحاث، مما أدى إلى انتشاره عبر سياقات جغرافية متعددة.

وقد أظهر تقرير حديث صادر عن منظمة اليونسكو أن الصناعات الثقافية والإبداعية تُدرّ ما يقارب 2.3 تريليون دولار أمريكى سنويًا، وتسهم بما يعادل 3.1٪ من الناتج المحلى الإجمالى العالمى، كما أنها توفّر 6.2٪ من إجمالى فرص العمل على مستوى العالم .

وفى حين أن استعراض الامتداد العالمى لمفهوم الصناعات الإبداعية يتطلب معالجة مستقلة، فإن ما يلفت النظر فى السياق الخليجى هو التحول التدريجى لهذه الصناعات من مجرد أدوات لصون التراث الثقافى وتعزيز الهوية الوطنية، إلى كونها قطاعات اقتصادية ذات أثر ملموس فى عمليات التنويع الاقتصادى والتنمية المستدامة.

فالصناعات الثقافية والإبداعية تمثّل فى دول مجلس التعاون الخليجى بُعدًا أصيلًا من أنماط الحياة اليومية، حيث تتجلى فى الأزياء، والفنون، والموسيقى، والمأكولات، والعمارة، وغيرها من أشكال التعبير الثقافى. وقد ظلت هذه الممارسات، لعقود تحظى برعاية حكومية بالدرجة الأولى من منطلق الحفاظ على التراث وضمان استمراريته، إلا أن التحولات الاقتصادية الراهنة فرضت منظورًا جديدًا أكثر ديناميكية.

ففى عام 2021، أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة تلك السنة عامًا دوليًا للاقتصاد الإبداعى من أجل التنمية المستدامة، وأسندت قيادة تنفيذ المبادرة إلى مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية  (UNCTAD)، بالتعاون مع منظمة اليونسكو وهيئات دولية أخرى. وفى العام نفسه، شهدت دول الخليج العربى تحوّلات ملموسة فى سياساتها الثقافية، حيث بدأت تُصنَّف الصناعات الإبداعية ضمن القطاعات ذات الأولوية فى استراتيجيات التنويع الاقتصادى، مدفوعة بالإيمان بدورها فى خلق فرص العمل وتعزيز التنافسية الاقتصادية.

ومن أبرز الأمثلة على هذه التوجهات، أطلقت دولة الإمارات العربية المتحدة فى العام ذاته “الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية”، والتى تستهدف رفع مساهمة هذا القطاع فى الناتج المحلى الإجمالى إلى 5٪ بحلول عام 2031. كما تشير الإحصاءات إلى أن الصناعات الثقافية والإبداعية فى قطر ساهمت بما يزيد عن 20 مليار ريال قطرى فى الاقتصاد الوطنى عام 2021، أى ما يعادل نحو 3٪ من الناتج المحلى. أما المملكة العربية السعودية، فقد وضعت الاقتصاد الإبداعى ضمن أولويات رؤية 2030، لا سيما فى مجالات مثل الألعاب الإلكترونية التى شهدت نموًا لافتًا بحسب تقارير الأمم المتحدة، فى حين تبنّت دولة الكويت “استراتيجية الاستثمار الثقافى” بإشراف المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب.

وتُعدّ هذه المبادرات وغيرها تجسيدًا واضحًا للتحول الجذرى الذى تشهده المنطقة فى التعامل مع الصناعات الإبداعية، حيث لم تعد تُنظر إليها فقط بوصفها أدوات ثقافية، بل باعتبارها محركات للنمو الاقتصادى والاجتماعى، تتكامل مع أهداف التنمية المستدامة، وتُسهم فى إعادة تشكيل المكانة الإقليمية والدولية لدول الخليج العربى.

مجتمعٌ إنسانُهُ مُبدع: الصناعات الإبداعية في السياسات العُمانية

فى السياق العُماني، لم يرد مصطلحا “الصناعات الثقافية والإبداعية” و”الاقتصاد الإبداعي” بشكل مباشر ضمن رؤية “عُمان 2040”، إلا أن المفاهيم المرتبطة بهما ظهرت بوضوح من خلال محورين رئيسيين: محور “المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية”، والذى يؤكد على أهمية الثقافة والفنون والتراث فى تعزيز الهوية الوطنية وصون الموروث الثقافى. و محور “التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية”، والذى يسعى إلى بناء اقتصاد متنوع ومستدام قائم على المعرفة والابتكار والتقنية، ويشجع على الاستثمار فى مجالات غير تقليدية، من بينها الصناعات الثقافية والإبداعية، باعتبارها رافدًا اقتصاديًا واعدًا.

وقد جاء التحوّل الجوهري فى الخطاب الثقافى العُمانى فى عام 2021، مع صدور الاستراتيجية الثقافية لعُمان 2021 – 2040، والتى أطلقتها وزارة الثقافة والرياضة والشباب، حيث ظهر للمرة الأولى استخدامٌ مباشر لمصطلحى “الصناعات الثقافية والإبداعية” و”الاقتصاد الإبداعي” ضمن وثيقة رسمية شاملة. وقد خصصت الاستراتيجية محورًا متكاملًا لهذا القطاع، يهدف إلى: تعزيز الوعى بأهمية الاستثمار فى المجال الثقافى، دعم مشاريع ثقافية إبداعية مستدامة، تقديم التسهيلات للمشاريع العاملة فى هذا المجال، وتعزيز المساهمة الاقتصادية للقطاع الثقافى ضمن الناتج المحلى.

وتُعدّ جهود الوزارة فى هذا المجال دليلاً على رغبة حقيقية فى تفعيل البُعد الاقتصادى للثقافة، حيث تم تأسيس قسم خاص بالصناعات الثقافية والإبداعية ضمن الهيكل التنظيمى للوزارة، مما يشير إلى التحول المؤسسى نحو الاعتراف بهذا القطاع بوصفه مجالًا استراتيجيًا للتنمية. كما أطلقت الوزارة عددًا من المبادرات النوعية، لعل من أبرزها: مشروع خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية، وحلقات العمل التطويرية المتخصصة بالتعاون مع البرنامج الوطني للاستثمار وتنمية الصادرات (نزدهر).

من جهة أخرى، شكّل ظهور مفهومي “الاستثمار الثقافي” و”الاقتصاد الإبداعي” ضمن مجلد البرامج الاستراتيجية لخطة التنمية الخمسية العاشرة (2021 – 2025)، نقطة انعطاف مهمة فى تبنّى هذه المفاهيم على مستوى السياسات الاقتصادية الكلية. وقد ورد ضمن أبرز هذه البرامج مشروع تعزيز الاقتصاد الإبداعي في سلطنة عُمان، الذى يُعد أحد الأمثلة الصريحة على دمج الثقافة والإبداع ضمن إطار التنمية المستدامة والتخطيط الاقتصادى بعيد المدى.

الاقتصاد الإبداعي العُماني: بوابة نحو التنويع الاقتصادي

رغم غياب بيانات إحصائية دقيقة حول مساهمة الاقتصاد الإبداعي فى الناتج المحلي الإجمالي لسلطنة عُمان حتى الآن، فإن الجهود المؤسسية لتأسيس بنية تحتية لهذا القطاع تتقدم بوتيرة ملحوظة. فقد قادت وزارة الثقافة والرياضة والشباب عددًا من المبادرات الإستراتيجية لتعزيز الاقتصاد الإبداعي، من أبرزها تطوير منهجية وطنية لقياس الاقتصاد الإبداعي، وتحليل جاهزية البنية الإحصائية الوطنية، وذلك ضمن مشروع خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية. كما أطلقت الوزارة خطة تنمية القطاع الثقافي والاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية، بالشراكة مع البرنامج الوطني للاستثمار وتنمية الصادرات (نزدهر)، وبالتعاون مع شركة توم فليمنغ للاستشارات الإبداعية (TFCC)، وهى شركة دولية مرموقة متخصصة في تطوير سياسات الاقتصاد الإبداعي.

وقد أثمرت هذه الجهود عن تنظيم حلقات العمل التطويرية للصناعات الثقافية والإبداعية، والتى تمخضت عن عدد من المشاريع الاستثمارية الملموسة، من بينها: 3 مشروعات استثمارية بقيمة تبلغ نحو 15.4 مليون ريال عماني،8  فرص استثمارية تقدر بـ19 مليون ريال عماني،20  مبادرة تمكينية تهدف إلى بناء منظومة داعمة للصناعات الثقافية والإبداعية.

ومن جانب آخر، نال دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة  التى تمثل ركيزة جوهرية للاقتصاد الإبداعى  اهتمامًا ملموسًا من الجهات الرسمية، وفى مقدمتها هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، التى أطلقت حاضنات الصناعات الإبداعية. وتُوفر هذه الحاضنات منظومة دعم متكاملة للمشاريع الناشئة فى القطاعات الإبداعية، تشمل: الإرشاد، التدريب، التوجيه، التمويل، والتسويق، بهدف تحفيز بيئة ريادة الأعمال الثقافية والإبداعية.

وعلى الصعيد الدولى، حظيت مبادرات سلطنة عُمان بإشادة واضحة فى تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية للاقتصاد الإبداعى 2024، والذى أبرز عددًا من المشاريع الرائدة ذات الأثر العالمى، من بينها: تعزيز تصدير السلع الإبداعية: من خلال مشروع “تمكين منتجى اللبان العمانيين”، بإشراف وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وبالشراكة مع منظمة الويبو، توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى لدعم الاقتصاد الإبداعى: عبر مبادرة “مَكين”، بإشراف وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، والاستدامة والابتكار فى الصناعات الإبداعية: ممثلة فى مسابقة “الابتكار فى صناعة السعفيات”، التى أطلقتها هيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والتى تسعى إلى توظيف الحرف التقليدية فى أسواق معاصرة. تعكس هذه المبادرات الطموحة توجّهًا واضحًا نحو ترسيخ موقع سلطنة عُمان كلاعب ناشئ وواعد فى الاقتصاد الإبداعى الإقليمى والدولى، مستفيدة من رصيدها الثقافى الغنى، وخططها الاستراتيجية، وشراكاتها المتعددة.

ختامًا تمثل الصناعات الثقافية والإبداعية اليوم أحد المسارات الواعدة لتحقيق التنويع الاقتصادي وتعزيز التنمية المستدامة وقوة ناعمة ثقافية، ليس فقط على مستوى الاقتصاد العالمى، بل أيضًا ضمن السياقات الإقليمية والمحلية. وكما أظهرت التجارب الدولية، فإن دمج الإبداع والابتكار الثقافى فى السياسات العامة يُسهم فى خلق اقتصاد أكثر مرونة وشمولًا وابتكارًا. وفى السياق الخليجي، تشهد دول المنطقة، ومن بينها سلطنة عُمان، تحولات استراتيجية فى التعامل مع هذه الصناعات بوصفها موردًا اقتصاديًا.

وقد أظهرت سلطنة عُمان التزامًا متناميًا بتطوير اقتصادها الإبداعى، من خلال تبنّى سياسات داعمة، وإطلاق مبادرات مؤسسية ومشروعات استثمارية، فضلاً عن التقدير الدولى المتزايد الذى حظيت به هذه الجهود. إلا أن بناء منظومة متكاملة ومستدامة للاقتصاد الإبداعى يتطلب تعزيز البنية التشريعية، وتحسين الإحصاءات، وتنمية الكفاءات الوطنية من خلال تطوير المناهج التعليمية والتدريب، وتحفيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص.  وبهذا، يمكن لعُمان أن ترسّخ موقعها كمركز إقليمى للإبداع الثقافى، يعكس هويتها الغنية، ويواكب تحولات الاقتصاد المعرفى فى القرن الحادى والعشرين.

عن الكاتبة

نهاد الهادي

مستشارة في الصناعات الثقافية والإبداعية وريادة الأعمال الإبداعية، تكتب عند تقاطع البحث والسياسات والاقتصاد الإبداعي.