المدونة الاقتصاد الإبداعي

هل سيستثمر جهاز الاستثمار العُماني في الصناعات الإبداعية؟

قراءة في الجدوى الاقتصادية، والمخاطر، والتجارب الدولية

في لقاءين إعلاميين بارزين خلال عامي 2025 و2026، طُرح على معالي رئيس جهاز الاستثمار العُماني سؤالٌ جوهري حول إمكانية استثمار الجهاز في القطاعات الإبداعية والرياضية. ففي عام 2025 جاءت الإجابة متحفظة، إذ عُدّت هذه القطاعات ذات طبيعة ترويجية أكثر من كونها استثمارية، وهو ما لا ينسجم مع النهج المحافظ الذي يتبناه الجهاز في إدارة استثماراته. إلا أن الخطاب شهد تحولاً ملحوظاً في عام 2026، حين أكد معالي رئيس جهاز الاستثمار أن الصناعات الإبداعية لا تختلف عن غيرها من القطاعات الاقتصادية، وأن الاستثمار فيها يظل ممكناً متى ما توافرت الجدوى الاقتصادية.

ويثير هذا التحول في الخطاب، من التحفظ إلى الانفتاح المشروط، ثلاثة أسئلة رئيسية تستحق التوقف عندها: لماذا يُنظر إلى الصناعات الإبداعية بوصفها قطاعاً عالي المخاطر؟ وكيف يمكن لعُمان بناء الجدوى الاقتصادية اللازمة لجذب الاستثمار؟ وما الذي يمكن أن تتعلمه من تجارب الدول التي نجحت في تحويل الثقافة والإبداع إلى محركات للنمو الاقتصادي؟

رئيس جهاز الاستثمار العُماني، 2026.

أولاً: لماذا يُعد الاستثمار في الصناعات الإبداعية عالي المخاطر؟

لم يكن موقف جهاز الاستثمار العُماني في عام 2025 مجرد تحفّظ مؤسسي، بل يعكس واقعاً اقتصادياً تناولته الأدبيات المتخصصة على نطاق واسع. فقد وصف الاقتصادي الأمريكي ريتشارد كيفز (Richard Caves)، في كتابه Creative Industries: Contracts between Art and Commerce، إحدى السمات الجوهرية للصناعات الإبداعية بما أسماه «لا أحد يعرف» (Nobody Knows)، في إشارة إلى أن نجاح أي منتج إبداعي يظل غير قابل للتنبؤ قبل طرحه في السوق، بل قد يصعب تفسير أسباب نجاحه حتى بعد تحقيقه. وهذه الخاصية تقوّض أحد أهم مرتكزات القرار الاستثماري، وهو القدرة على التنبؤ بالعائد وتقدير المخاطر بدقة.

ويُضاف إلى ذلك عدد من المخاطر والخصائص الهيكلية التي تجعل الاستثمار في هذا القطاع أكثر تعقيداً مقارنة بالقطاعات التقليدية.

1. محدودية الضمانات الاستثمارية

تعتمد الصناعات الإبداعية بصورة رئيسية على أصول غير ملموسة، كالملكية الفكرية، والسمعة، والعلامات التجارية، ورأس المال البشري، وليس على الأصول المادية كالمصانع والعقارات. ولذلك يصعب استخدامها كضمانات في أدوات التمويل التقليدية، مما يرفع مستوى المخاطرة بالنسبة للمستثمرين والمؤسسات التمويلية. وتشير دراسة نُشرت في Journal of Cultural Economics عام 2022، استناداً إلى مسح شمل 575 شركة إبداعية في المملكة المتحدة، إلى أن أكثر من 70% من الشركات الإبداعية تعاني نقصاً في التمويل، وأن 62% منها ترى أن محدودية التمويل تُقيّد نموها. ولا تمثل هذه النتائج ظاهرة محلية، بل تعكس فجوة هيكلية بين طبيعة الأصول الإبداعية وآليات التمويل التقليدية.

2. طول دورة الاستثمار وهشاشة العوائد

تحتاج المشاريع الإبداعية غالباً إلى سنوات من التطوير وبناء الجمهور قبل تحقيق عوائد اقتصادية مستقرة. وخلال هذه المرحلة تواجه كثير من المشاريع ما يُعرف في أدبيات تمويل الابتكار بـ«وادي الموت» (Valley of Death)، وهي الفجوة التمويلية التي تفصل بين مرحلة تطوير الفكرة وتحقيق أول عائد تجاري. ويزداد هذا التحدي في الاقتصادات الناشئة التي تفتقر إلى أسواق رأس مال مخاطر (Venture Capital) متخصصة في القطاعات الإبداعية.

3. تركّز السوق وظاهرة «الفائز يأخذ كل شيء»

بيّن الاقتصادي شيروين روزن في دراسته الشهيرة The Economics of Superstars (1981) أن الأسواق الإبداعية تتسم بتركّز شديد للعوائد؛ إذ تستحوذ نسبة محدودة جداً من المنتجات على معظم الإيرادات، بينما لا يحقق الجزء الأكبر من المشاريع والمبدعين عائداً اقتصادياً مجزياً. وطوّر فرانك وكوك هذه الفكرة لاحقاً في كتاب The Winner-Take-All Society (1995)، موضحين أن نجاح عدد محدود من الأعمال يقابله إخفاق عدد كبير منها. ونتيجة لذلك، يتطلب الاستثمار في الصناعات الإبداعية محافظ استثمارية متنوعة تستطيع تعويض خسائر عدد كبير من المشاريع من خلال العوائد الاستثنائية لعدد محدود منها، وهو نموذج لا يتوافق بسهولة مع فلسفة الصناديق الاستثمارية المحافظة.

4. صعوبة قياس العائد الاقتصادي

لا تقتصر القيمة التي تولدها الصناعات الإبداعية على الإيرادات المباشرة، بل تمتد إلى آثار اقتصادية غير مباشرة، مثل تنشيط السياحة، وتعزيز الهوية الوطنية، وتحسين الصورة الذهنية للدولة، وزيادة جاذبيتها للاستثمار. وتشير بيانات الأونكتاد لعام 2024 إلى أن مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح عالمياً بين 0.5% و7.3%. ولا يعكس هذا التفاوت اختلاف حجم الاقتصاد الإبداعي فحسب، بل يعكس أيضاً تفاوت قدرة الدول على قياس مساهمته الاقتصادية بصورة منهجية وإثبات جدواه بالأرقام. ويُعد هذا أحد أبرز التحديات التي تواجه المستثمرين عند مقارنة هذا القطاع بالقطاعات التقليدية.

5. الهشاشة أمام الصدمات الخارجية

كشفت جائحة كوفيد-19 عن هشاشة استثنائية في الصناعات الإبداعية، ولا سيما قطاعات الأداء الحي، والسينما، والمعارض، والفعاليات الثقافية. وتشير دراسة صادرة عن Creative Policy and Evidence Centre (PEC) بجامعة كارديف عام 2023 إلى أن المناطق المتخصصة في صناعات الأفلام والتلفزيون كانت الأكثر تعرضاً للآثار الاقتصادية للجائحة. ويعود ذلك جزئياً إلى الطبيعة المرنة لسوق العمل في هذا القطاع، إذ تبلغ نسبة العاملين المستقلين (Freelancers) نحو 28% من إجمالي القوى العاملة في الصناعات الإبداعية، مقارنة بـ14% في بقية القطاعات، وفق بيانات Creative UK لعام 2025. وهذا يجعل القطاع أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية والأزمات المفاجئة.

6. مخاطر الملكية الفكرية والقرصنة الرقمية

في كثير من الاقتصادات الناشئة، يواجه الاستثمار الإبداعي تحدياً إضافياً يتمثل في ضعف حماية حقوق الملكية الفكرية وانتشار القرصنة الرقمية. وتشير تقارير الأونكتاد إلى أن هذه الظاهرة تؤدي إلى خسارة مزدوجة: فهي تقلص العوائد المباشرة للمبدعين والمستثمرين، وتحرم الحكومات من الإيرادات الضريبية، كما تضعف جاذبية البيئة الاستثمارية أمام المستثمرين المحليين والدوليين. ومن دون منظومة فعالة لحماية الملكية الفكرية، يظل الأصل الإبداعي عرضة للاستخدام والاستنساخ دون تعويض عادل، مما يحد من الحوافز على الاستثمار والإنتاج.

7. مخاطر الذكاء الاصطناعي

إلى جانب المخاطر التقليدية، برزت خلال السنوات الأخيرة تحديات جديدة مرتبطة بالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير بيانات الأونكتاد لعام 2024 إلى أن 41% من غرف الأخبار العالمية تستخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى المرئي، و39% في إنتاج محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، و38% في كتابة الأخبار والمقالات. ويعني ذلك أن نماذج الأعمال الإبداعية القائمة اليوم قد تتغير بصورة جوهرية خلال فترة زمنية قصيرة، وهو ما يزيد من صعوبة تقييم العوائد المستقبلية للمشروعات طويلة الأجل.

8. الطبيعة الترويجية لبعض المشاريع

تُقاس قيمة العديد من المشاريع الثقافية الكبرى بما تحققه من قوة ناعمة، وحضور دولي، وأثر دبلوماسي، أكثر مما تحققه من عائد مالي مباشر. وهو ما يفسر، إلى حد كبير، تحفظ جهاز الاستثمار العُماني في عام 2025 عندما صنّف هذه الأنشطة ضمن القطاعات الترويجية. ويظل التمييز بين المبادرات ذات الطابع الترويجي والأصول الإبداعية القابلة للاستثمار أحد أكثر التحديات تعقيداً في تصميم منظومة استثمارية فعالة للاقتصاد الإبداعي.

9. تشتت المنظومة المؤسسية

في غياب إطار حوكمة موحد للصناعات الإبداعية، يجد المستثمر نفسه أمام منظومة مؤسسية موزعة بين جهات متعددة تشمل الثقافة، والتجارة، والسياحة، والإعلام، وغيرها. ويؤدي هذا التداخل إلى ارتفاع تكاليف المعاملات، وإطالة دورة اتخاذ القرار، وزيادة حالة عدم اليقين. كما تشير أبحاث Creative PEC إلى أن نجاح الصناعات الإبداعية يرتبط غالباً بوجود تجمعات إبداعية متكاملة (Creative Clusters) توفر بيئة مؤسسية أكثر كفاءة وتنسيقاً، وهو ما يظل تحدياً أمام كثير من الاقتصادات الناشئة.

ثانياً: كيف يمكن لعُمان بناء الجدوى الاقتصادية؟

يُنظر إلى الجدوى الاقتصادية في كثير من الأحيان بوصفها نتيجة تُكتشف عند تقييم المشروع، إلا أن الواقع في الصناعات الإبداعية مختلف؛ فالجدوى هنا لا تُكتشف، بل تُبنى من خلال سياسات وتشريعات واستثمارات ومؤسسات قادرة على تحويل الإمكانات الثقافية إلى قيمة اقتصادية مستدامة. ويمكن لعُمان أن تسلك هذا المسار من خلال أربعة محاور رئيسية.

التمييز بين القطاعات بحسب جاهزيتها الاستثمارية

ليس من الدقة التعامل مع جميع الصناعات الإبداعية باعتبارها قطاعات متجانسة من حيث الجاهزية الاستثمارية. ففي عُمان، قطعت بعض القطاعات، مثل السياحة الثقافية، والصناعات الحرفية، والإعلام، شوطاً مهماً في التنظيم والحوكمة، ما يجعلها أكثر استعداداً لاستقطاب الاستثمار المباشر.

في المقابل، لا تزال قطاعات أخرى، مثل صناعة الأفلام، والألعاب الرقمية، والتصميم الرقمي، في مراحلها التأسيسية، الأمر الذي يجعلها بحاجة إلى أدوات تمكين مختلفة، كبرامج الاحتضان، والتمويل الأولي، والحوافز التنظيمية، قبل أن تصبح مؤهلة للاستثمار التجاري.

ويمثل التمييز بين هذه المستويات المختلفة نقطة الانطلاق لبناء نموذج استثماري أكثر كفاءة، يوجّه رأس المال إلى القطاعات الأكثر جاهزية، مع استمرار دعم القطاعات الناشئة حتى تصل إلى مرحلة النضج.

بناء منظومة وطنية لقياس الاقتصاد الإبداعي

تؤكد الأدلة الدولية أن جودة البيانات الإحصائية تمثل أحد أهم محددات الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي.

فوفقاً لتقرير الأونكتاد للاقتصاد الإبداعي لعام 2024، تتراوح مساهمة الاقتصاد الإبداعي في الناتج المحلي الإجمالي بين 0.5% و7.3% عالمياً، فيما تتراوح مساهمته في التوظيف بين 0.5% و12.5% من إجمالي القوى العاملة. ولا يعكس هذا التفاوت اختلاف حجم الاقتصادات فحسب، بل يعكس أيضاً تفاوت قدرة الدول على قياس القطاع ورصده بصورة منهجية.

وفي هذا السياق، يمثل مشروع خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية في سلطنة عُمان (2021–2024) خطوة تأسيسية مهمة، إذ وثّق نحو 483 نشاطاً اقتصادياً و1020 مهنة إبداعية، بما يوفر قاعدة بيانات وطنية يمكن البناء عليها لتطوير مؤشرات أكثر دقة حول مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.

فالبيانات الدقيقة لا تساعد على فهم القطاع فقط، وإنما تمنح المستثمرين وصناع القرار لغة مشتركة لتقييم الجدوى الاقتصادية واتخاذ قرارات استثمارية أكثر ثقة.

تعزيز الروابط مع القطاعات الاقتصادية الأخرى

لا تتحقق القيمة الاقتصادية للصناعات الإبداعية داخل حدود القطاع نفسه، وإنما تمتد آثارها إلى قطاعات أخرى، مثل السياحة، والعقارات، والتجزئة، والضيافة، والتقنيات الرقمية.

وتُعد السياحة الثقافية في عُمان مثالاً واضحاً على هذه العلاقة؛ فمشروعات مثل حارة العقر لا تقتصر آثارها الاقتصادية على العوائد المباشرة للموقع، بل تمتد إلى تنشيط الأنشطة التجارية، ورفع الطلب على الخدمات المحلية، وتعزيز الاقتصاد المحيط بالموقع.

ومن هنا، فإن تقييم الجدوى الاقتصادية ينبغي ألا يقتصر على عوائد المشروع نفسه، بل يجب أن يشمل القيمة الاقتصادية التي يخلقها عبر سلاسل القيمة والقطاعات المرتبطة به.

تطوير أدوات استثمار تتناسب مع طبيعة القطاع

تكمن المشكلة في كثير من الأحيان ليس في ضعف الجدوى الاقتصادية، وإنما في استخدام أدوات استثمار صُممت أساساً لقطاعات صناعية أو خدمية تقليدية.

وقد أظهرت التجارب الدولية نجاح عدد من الأدوات البديلة، من أبرزها:

  • الحوافز الضريبية للإنتاج الإبداعي.
  • الاستثمار في البنية التحتية الإبداعية، مثل الاستوديوهات، ومراكز التصميم، وحاضنات الأعمال.
  • إنشاء صناديق استثمار مشتركة بين القطاعين العام والخاص لتوزيع المخاطر وتشجيع الاستثمار طويل الأجل.

ثالثاً: ماذا يمكن أن تتعلم عُمان من التجارب الدولية؟

عند البحث عن نماذج يمكن الاستفادة منها، قد يبدو من الطبيعي التوجه إلى تجارب الدول الكبرى مثل المملكة المتحدة أو كوريا الجنوبية. إلا أن التجارب الأكثر صلة بالسياق العُماني هي تجارب الدول الصغيرة والمتوسطة التي واجهت تحديات مشابهة، من حيث محدودية حجم السوق، والسعي إلى تنويع الاقتصاد، والاستفادة من الثقافة بوصفها أصلاً اقتصادياً واستراتيجياً.

ورغم اختلاف هذه التجارب، فإنها تشترك في نتيجة واحدة:

لم يكن نجاح الاقتصاد الإبداعي فيها نتاج الاستثمار المباشر في المحتوى، بل نتيجة بناء بيئة استثمارية وتشريعية تقلل المخاطر وتجذب رأس المال.

نيوزيلندا: الحوافز الضريبية بدلاً من التمويل المباشر

واجهت نيوزيلندا سؤالاً مشابهاً لما تواجهه عُمان اليوم: كيف يمكن استقطاب استثمارات إبداعية عالمية دون أن تتحول الحكومة إلى ممول مباشر للمشروعات مرتفعة المخاطر؟

جاءت الإجابة عبر برنامج New Zealand Screen Production Grant، الذي يقدم حوافز ضريبية تتراوح بين 20% و40% من الإنفاق الإنتاجي المؤهل، بدلاً من تقديم تمويل مباشر لشركات الإنتاج.

وقد أسهم هذا النموذج في استقطاب إنتاجات سينمائية كبرى، من بينها Avatar وThe Lord of the Rings، إضافة إلى عدد من الأعمال العالمية التي نفذتها استوديوهات دولية.

وتظهر الأرقام فاعلية هذا النهج؛ فبين عامي 2014 و2022 تجاوز حجم الإنفاق الإنتاجي 5.2 مليار دولار نيوزيلندي، مقابل تكلفة للحوافز بلغت نحو 1.15 مليار دولار، أي ما يزيد على 4.5 دولارات من النشاط الاقتصادي مقابل كل دولار أنفقته الحكومة. وفي عام 2025 خصصت الحكومة 577 مليون دولار نيوزيلندي إضافية للبرنامج، في مؤشر واضح على نجاحه الاقتصادي.

الدرس لعُمان

لا يتطلب جذب الاستثمار الإبداعي أن يصبح جهاز الاستثمار العُماني ممولاً مباشراً للمشروعات، بل يمكن للحوافز الذكية أن تحقق النتيجة نفسها بمخاطر أقل.

Source: New Zealand Screen Production Rebate

أيرلندا: الاستثمار في البيئة قبل الاستثمار في المحتوى

تمثل أيرلندا مثالاً آخر لدولة صغيرة استطاعت بناء قطاع إبداعي عالمي دون الاعتماد على الاستثمار الحكومي المباشر.

فبدلاً من ذلك، ركزت على تطوير بيئة تنظيمية وضريبية جاذبة، كان أبرزها برنامج Section 481 الذي يمنح ائتماناً ضريبياً للإنتاج السينمائي والتلفزيوني، بلغت نسبته 32%، قبل أن يرتفع في عام 2026 إلى 40% للمؤثرات البصرية بهدف تعزيز القدرة التنافسية.

وقد أدى ذلك إلى تحول أيرلندا إلى مركز دولي لإنتاج الأفلام والمسلسلات والألعاب الرقمية، وأسهم القطاع اليوم بما يزيد على مليار يورو سنوياً في الاقتصاد الوطني، مع توفير ما يقارب 16 ألف وظيفة.

كما استضافت الاستوديوهات الأيرلندية إنتاجات عالمية مثل WandaVision وSpider-Man وShōgun.

الدرس لعُمان

الجدوى الاقتصادية لا تتحقق دائماً عبر ضخ رأس المال، بل قد تتحقق من خلال بناء بيئة تشريعية وضريبية تجعل الاستثمار الإبداعي خياراً جاذباً للقطاع الخاص.

Source: screen Ireland website

المملكة العربية السعودية: الاستثمار عبر أذرع متخصصة

تقدم المملكة العربية السعودية نموذجاً مختلفاً وأكثر قرباً من السياق الخليجي.

فبدلاً من أن يستثمر صندوق الاستثمارات العامة مباشرة في المشروعات الإبداعية مرتفعة المخاطر، اتجه إلى إنشاء شركات متخصصة تتولى الاستثمار والتشغيل ضمن قطاعات الاقتصاد الإبداعي.

ومن أبرز الأمثلة إطلاق شركة قصص (National Interactive Entertainment Company) في عام 2024، المتخصصة في تطوير تجارب السرد القصصي التفاعلي المستوحاة من الثقافة السعودية والإسلامية.

كما صنفت الاستراتيجية الجديدة للصندوق للفترة 2026–2030 الألعاب الرقمية والرياضات الإلكترونية ضمن القطاعات الاستثمارية ذات الأولوية.

ويتميز هذا النموذج بالفصل بين إدارة المحافظ الاستثمارية التقليدية، وإدارة الاستثمارات الإبداعية، من خلال كيانات مستقلة تمتلك معايير مختلفة للمخاطرة، وأفقاً زمنياً أطول لتحقيق العوائد.

الدرس لعُمان

قد يكون إنشاء ذراع استثمارية متخصصة في الاقتصاد الإبداعي خياراً أكثر اتساقاً مع فلسفة جهاز الاستثمار العُماني، إذ يسمح بالاستثمار في هذا القطاع دون التأثير في طبيعة المحفظة الاستثمارية الرئيسة أو مستوى المخاطر الذي تتبناه.

Source: PIF website

خاتمة: السؤال لم يعد «هل»، بل «كيف»؟

يعكس التحول في خطاب جهاز الاستثمار العُماني بين عامي 2025 و2026 إدراكاً متزايداً للإمكانات الاقتصادية التي تنطوي عليها الصناعات الإبداعية، وهو تحول يتماشى مع ما تشهده الاقتصادات العالمية من توسع متسارع في هذا القطاع.

فوفقاً لتقرير الأونكتاد للاقتصاد الإبداعي لعام 2024، بلغت صادرات الخدمات الإبداعية العالمية 1.4 تريليون دولار في عام 2022، محققة نمواً بنسبة 29% خلال خمس سنوات فقط. كما تُظهر تجارب دول مثل نيوزيلندا وأيرلندا والمملكة العربية السعودية أن الاستثمار في الاقتصاد الإبداعي لا يقوم على ضخ الأموال في المشروعات الإبداعية فحسب، بل على تصميم منظومة استثمارية وتشريعية ومؤسسية قادرة على إدارة المخاطر وتحويل الإبداع إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

وفي المقابل، تمتلك سلطنة عُمان العديد من المقومات التي تؤهلها للانخراط في هذا المسار؛ فهي تمتلك رصيداً ثقافياً غنياً، وتراثاً متنوعاً، ورؤية وطنية تضع التنويع الاقتصادي والاقتصاد القائم على المعرفة ضمن أولوياتها، إلى جانب جيل شاب يمتلك طاقات إبداعية واعدة.

ومن ثم، فإن السؤال لم يعد: هل يستحق الاقتصاد الإبداعي الاستثمار؟ بل أصبح: كيف يمكن تصميم أدوات استثمار تتناسب مع طبيعة هذا القطاع؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقتصر على مستقبل الصناعات الثقافية والإبداعية وحدها، بل تمتد إلى مستقبل الاقتصاد العُماني نفسه، وإلى قدرة السلطنة على بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وابتكاراً واستدامة، تكون فيه الثقافة والإبداع جزءاً أصيلاً من معادلة التنمية، لا قطاعاً هامشياً على أطرافها.

عن الكاتبة

نهاد الهادي

مستشارة في الصناعات الثقافية والإبداعية وريادة الأعمال الإبداعية، تكتب عند تقاطع البحث والسياسات والاقتصاد الإبداعي.