حين توليتُ قيادة مشروع خارطة الصناعات الثقافية والإبداعية في عام 2021، كانت عُمان تزخر بحياةٍ إبداعية حية، غير أنها كانت تفتقر إلى بياناتٍ موثوقة تصف هذه الحياة وتقيس أثرها. كنا نعرف أن فنانينا ومصممينا وناشرينا وصُنّاع أفلامنا وحرفيينا فاعلون ومسهمون، لكنّ القطاع ظلّ في معظمه خارج دائرة الأدلة والسياسات. كان هذا أول مبادرة وطنية لمسح الصناعات الثقافية والإبداعية في السلطنة وتحليلها، وكان هدفها بسيطًا في ظاهره عميقًا في أثره: أن نجعل قطاعًا مرئيًّا أمام نفسه وأمام من يُناط بهم التخطيط له.
لم يكن التحدي شُحّ الإبداع، بل شُحّ المعرفة به. فمن دون تعريفٍ مشترك لما يُعدّ صناعةً إبداعية، ومن دون جردٍ لمجالاتها الفرعية وفاعليها، ومن دون قراءةٍ صادقة للعقبات التي تواجههم، يظلّ كل حديثٍ عن اقتصادٍ إبداعي قائمًا على الافتراض لا على الفهم. لذلك بدأنا عملنا بإرساء الأسس: مفرداتٌ جامعة، وإطارٌ منهجي، وخطُّ أساسٍ يتّسم بالأمانة.
الأهداف
1. فهم ودراسة قطاعات الصناعات الثقافية والإبداعية في سلطنة عمان.
2. اقتراح إطار منهجي لرصد الاقتصاد الإبداعي في الناتج المحلي العُماني.
3. دراسة خصائص العاملين في قطاعات الصناعات الثقافية والإبداعية بالسلطنة.
4. فهم الجوانب التشريعية والسياسات المتعلقة بقطاعات الصناعات الثقافية والإبداعية.
5. دراسة واقع التعليم والابتكار وتنمية المهارات والمواهب في القطاع الإبداعي بالسلطنة.
6. تسليط الضوء على دور البنية الأساسية الرقمية في تنمية الصناعات الثقافية والإبداعية.
7. فهم واقع الملكية الفكرية ودورها في حماية إبداع الطبقة الإبداعية بالسلطنة.
8. الكشف عن نظرة المجتمع العماني للعمل الإبداعي ومدى جاهزيته لتبني وتعزيز الاقتصاد الإبداعي.
9. تزويد متخذي القرار بالبيانات القائمة على الأدلة لدعم الإستراتيجية الثقافية بالسلطنة.
المنهجية والأثر
اعتمدنا منهجًا يجمع بين الصرامة العلمية والتجذّر في الواقع المحلي. فبدلًا من استيراد تصنيفٍ أجنبي جاهز، انطلقنا من الأطر الدولية مع تكييفها وفق الخصوصية العُمانية، مُصغين عن قربٍ إلى الممارسين عبر المشاورات والعمل الميداني والحوار المباشر. كان المقصد أن تكون الخارطة شيئًا يتعرّف فيه أهل الإبداع على أنفسهم، لا تجريدًا مفروضًا من الخارج.
القطاع الذي لا يُرى لا يُمكن دعمه؛ وأول فعلٍ في أي سياسةٍ للاقتصاد الإبداعي هو أن نجعل الحقل قابلًا للقراءة.
تمثّل الإسهام الباقي للمشروع في أنه منح النقاش أرضيةً مشتركة. فبتسمية المجالات الفرعية، وتحديد مواقع الفاعلين، وتوثيق الفجوات، قدّم لصنّاع القرار والمؤسسات منطلقًا قائمًا على الدليل لا على الانطباع. وعلى نحوٍ أهدأ، قال لمجتمعٍ من الممارسين إن عملهم معترَفٌ به بوصفه جزءًا من الاقتصاد الوطني؛ وهذا الاعتراف، في تجربتي، هو المكان الذي يبدأ منه الدعم الجادّ.
